ثمة أمور كثيرة ,, تغتالنى ببطئ

عندما أعلن الرئيس المخلوع زين العابدين بن على أمام الملأ أنه فهم الشعب التونسى أخيراً وأن تلك الحاشية التى غررت به ونقلت له أحوال العباد على غير ما هى عليه ستفقد مناصبها على الفور وأن العدل سيسود البلاد والإعلام سيعتلى عرش الحرية بلا منازع يقول ما يشاء وأن فخامته يعد الشعب أنه لن يترشح الى فترة رئاسية ثانية رغماً عن تلك الدعوات التى تأتيه ليل نهار تطلب منه وتستميحة أن يتكرم على الشعب التونسى بفترة رئاسية أخرى ..

أقول أنه عندما أعلن الرئيس المخلوع تلك المسارات التى تحدد بوصلة الشعوب الحرة وترسخ لنظام يحترم حقوق الإنسان , غاب عن بال فخامته قولاً للشهيد عبد الرحمن الكواكبى رحمة الله عليه حين قال ” خلق الله الإنسان حراً ، قائده العقل .. فكفر .. وأبى إلا أن يكون عبداً قائده الجهل ” ففطرة الإنسان التى خلقه الله عليها هى الحرية دون قيد وما يخالف ذلك من قابلية الشعوب للإستبداد لا يكون إلا مرحلة فاصلة يذوق الشعب فيها مذاق الإستبداد ليعود الى فطرته أكثر تمسكاً بها وإدراكاً لضرورتها الحياتية كما الطعام والشراب والهواء .

فى كتابه الرائع ” طبائع الإستبداد ومصارع الإستعباد ” يحلل عبد الرحمن الكواكبي أصل الإستبداد فى المجتمعات وقد عاصر رحمة الله علية الدولة العثمانية وعاش فى أرجائها مغضوباً عليه ذائقاً معنى السجن والتشرد والإستبداد ومصادرة الحريات وطاف فى العالم العربى يدعو الناس الى حرية السياسة وعدالة المجتمع وتجديد الدين ليخرج من إطار العبادات والأخلاق الذى وضع فيه عمداً الى ساحة العمل السياسى والمدنى يحكم فيهاً ويضع أصولها ومبادئها , تلك كانت دعوة الكواكبى رحمة الله عليه ولعله من فطنته كان يدرك أحوال الشعوب ويعلم أن هناك نقطة فاصلة لا تستطيع الشعوب عندها أن تتقبل شبح الإستبداد الجاسم على صدورها فتنطلق بالثورة الكامنة فيها الملتحمة بفطرتها الأولى وحينها لا يكون أمام المستبد إلا الرضوخ عند إرادتها والإمتثال لرغبتها .

” مملكة الأجسام وعالم القلوب “

يعلم المستبد بأن القلب هو أصل الفطرة وأن الشعوب إذا ما أدركت الحرية فى قلوبها لن تتنازل عن إدراكها فى واقعها , ولا يستطيع المستبد أن يحكم الأجساد بقيد الإستبداد وحده بل لابد من ملك القلوب حتى لا تُثار نزعتها الفطرية فتقلب الأجساد وتدفعها للثورة , والقلوب تُحكم بالدين وكما يقول الكواكبى ” الإستبداد السياسى متولد من الإستبداد الدينى .

والبعض القليل يقول : إن لم يكن توليد فهما أخوان , أبوهما التغلب وأمهما الرياسة , أو هما صنوان قويان بينهما رابطة الحاجة على التعاون لتذليل الناس . والمشاكلة بينهما أنهما حاكمان , أحدهما فى مملكة الأجسام والآخر فى عالم القلوب ” .

وقد كان لـ”بن علي” فى ساحة الدين تأثير عظيم , فبعد العلمنة التى تعرضت لها تونس جراء الإحتلال الفرنسى لم يبذل مسئولوها جهداً يذكر فى عودة الدين الى الساحة العامة , بل استمرت العلمنة تنخر فى جسد التونسى ووصل الأمر ذروته فى عهد بن علي عندما ضُيق الخناق على الحركة الإسلامية فى تونس وحُكم على الشيخ راشد الغنوشى مؤسس حزب حركة النهضة الإسلامية بالسجن المؤبد حتى هرب من تونس عام 1992 ولم يعد إليها حتى الأن , هذا الفاصل الذى أحدثه بن على بين الدين الحركى الداعى الى العمل فى ميادين السياسة والعمل المدنى والنضال من أجل الحريات العامة وبين الناس لم يترك مجالاً لإدراك الشعب التونسى بإمكانية الإنطلاق على أساس دينى للنضال من أجل الحرية , وإستبداد الدين يكون إما بإقصائه عن الحياة العامة كما فعل بن على وإما بالتسلط على رجال الدين وجعلهم منبراً يُعمق فى الناس مفاهيم طاعة ولى الأمر والإمتثال له مهما فعل كما كان علماء السلطان على مر الزمان .

” الإستبداد أصل لكل فساد “

يذكر الكواكبى رحمة الله عليه أن ” الإستبداد أصل لكل فساد , ومبنى ذلك أن المدقق فى أحوال البشر وطبائع الإجتماع كشف أن الإستبداد يضغط على العقل فيفسده , ويلعب بالدين فيفسده , ويحارب العلم فيفسده , وإنى لأبحث فى أنه كيف يغالب الإستبداد المجد فيفسده ويقيم مكانه التمجد ” لقد وصل زين العابدين بن على الى السلطة بإلتفاف قانونى على حكم الرئيس بورقيبة عندما حصل على شهادة أكبر أطباء تونس التى أفادت بأن بورقيبة غير قادر على ممارسة سلطاتة لأسباب صحية , ويحلل الكواكبى الدافع وراء هذا الإلتفاف بما سماه ” حاجة الحاكم الى التمجد ” وفرق بين المجد والتمجد فالمجد يكون بما فى الإنسان من جميل الخصال كالشجاعة والكرم أما التمجد فيكون بتلك المناصب التى يصل إليها الإنسان فتعينه ظلماً على العباد وكأنه نقص نفسى داخل المستبد يريد إشباعه بتملكه لمقاليد السلطة والتحكم فى مصائر الخلق , ولا تكتمل تلك الصورة للمستبد إلا بمتمجدين صغار لا شرف لهم ولا وجدان يعينونه على ظلمه وينافقون فى سبيل الحصور على منافع شخصية وقد قامت عائلة الطرابلسى المقربة من الرئيس بن على وبعض العائلات التى ملكت خيرات تونس بهذا الدور على أتم ما يكون .

” علم الحاكم وعلم المحكوم “

لقد رسم الكواكبى بمداد خالد هذا المصير الذى ستؤول إليه الشعوب إذا ما أستسلمت لواقع الإستبداد , وقدر أدرك شعب تونس العظيم أن الكرامة وفطرة الحرية هى السبيل الى الثورة , فكانت شرارة بوعزيزى تبعتها نار تلظى حرقت أطراف الأستبداد وها هى تسعى لإستئصال جذورة , إن كتاب الكواكبى هو دستور للشعب والحاكم فإذا أخذ به الحاكم المستبد علم كيف يؤتى الشعب من مواطن ضعفه وإذا أخذ به الشعب ثار ونال حريته وعلم كيف يؤتى الحاكم من موطن ضعفه , ولنا فى تونس الخضراء عبرة !!

نُشر هذا المقال فى موقع الجزيرة توك على هذا الرابط

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: