ثمة أمور كثيرة ,, تغتالنى ببطئ

Posts tagged ‘علمانية’

العلمانية وقابلية التطبيق ؟ ” أبعادها التى لا نراها ”


يقع كثير من الإسلاميين في براثن الجدل الفكري حين الحديث عن العلمانية بمدلولها العام , فصل الدين والميول العقائدية عن الدولة والحياة العامة والممارسات السياسية والتأكيد على أن الدين يجب أن يكون بمعزل عن الحياة العامة وأهون أيديولوجيات العلمانية تقصى الدين تماماً عن كل ما يتصل بالأمور الدنيوية .

مما لا شك فيه أن كثير من مثقفي العالم العربي ورواد الفكر القومي انساقوا وراء الدعايات الغربية للعلمانية والتحرر الديني وما زاد الطين بله هو الزحف الأحمر ونزوح كثير من المثقفين لأفكار ماركس وستالين ولينين وماو حتى وجدت الأفعى الحمراء طريقها مستظلة بستار الاشتراكية ونظام الملكية العامة وسيطرة البلوريتاريا , وأصبحنا نطحن بين رحى المادية الغربية ” الدياليكتيكيه ” التي تعطى للروح حق التبعية للمادة ومادية الشيوعية ” الميكانيكية ” التي لا تعطى للروح اى أهمية بل تنكرها وتنكر تأثيرها على الفرد .

في خضم كل هذا بات البعض يرى الاعتراف بالعلمانية ضرورة عصرية فالعالم قد حسم أمره سواء الغرب أو الشرق فلماذا نظل نحن في تخلفنا ورجعيتنا نطالب بحق الدين في الحياة العامة – يذكرني هذا بقول أحد الأصدقاء حين حضرت الصلاة ” ياعم الناس طلعوا القمر وإحنا لسه بنصلى ” – ولواقع الإسلام الذليل والتبعية السياسية والاقتصادية وتحت وطأة الغزو الفكري الغربي سلم كثير من المثقفين الراية لفكرة العلمانية وحتى مقارعة الحجج الفكرية لم تعد تجدي ثمارها فهي لا تقف أمام الهيمنة الغربية الفكرية وللأسف الشديد لم يفهم كثير من المثقفين الأبعاد التاريخية لفكرة ” الفصل بين الدين والدولة ” وكيف أن لكل أمة من الأمم خصائصها العقيديه والفكرية والسياسية التي تميزها عن غيرها من الأمم .

كانت المسيحية دينا سماوياً راقياً جاء في بدايات تشكل النضج الفكري للبشرية ولحكمة الله العظيمة جاءت المسيحية لتهذب النفس البشرية وتقوم الأخلاق وتعزز القيم الإنسانية الراقية في مجال المعاملات الإنسانية ولم يزود الله تعالى عيسى علية السلام بأكثر من ذلك لعدم قدرة البشرية حينها التي كانت تعيش حياة أقرب إلى البداوة والحيوانية على استيعاب ما هو أكثر من ذلك ثم جاء الدين الخاتم وجاء محمد صلى الله علية وسلم بثورة فكرية على المسيحية جاء بنظام كامل متكامل يضبط للمجتمع حياته السياسية والاجتماعية والاقتصادية ويضع أسساً لبناء مجتمع إشتراكى حضاري متجانس فكرياً على أسس حضارية راقية لم تعرف البشرية لها مثيل .

ولم يكن للقضاياً الحضارية الفكرية مكان في دين المسيحية لحكمة الله كما ذكرت لذا فإن قضية ” كفصل الدين عن الدولة ” عند المجتمع الغربي المسيحي لم يتم التأصيل لها دينياً فقد كانت المسيحية دين محبة ورحمة وأخلاق وفقط أما كل الأنظمة الحضارية السياسية المستحدثة فهي من صنع البشر ورجال الدين فرضوها على المجتمع المسيحي أضف إلى ذلك كل المنهجيات التحررية التي ساقها رجال الدين والدولة باسم الدين تارة وباسم المصلحة الوطنية تارة أخرى , أما الإسلام فقد وضع أساس المعاملات وقوانين السلم والحرب والعلاقات الدولية وبالتالي فإن تهليل المثقفين العرب للمنهجيات ” اللادينية ” أو العلمانية هو من قبيل العبث والجهل بخصائص هذا الدين العظيم .

ولعل البعض يتساءل لماذا أحتاج الغرب المسيحي لفكرة الفصل بين الدين والدولة وقد كان من الممكن خلق هذا التجانس بين روحانية المسيحية والنظم السياسية والحضارية المستحدثة ولهذا أسباب , هناك في المسيحية مذهبان الكاثوليك والبروتستانت وهما مذهبان متناقضان في فقه أصول العقيدة وحقيقة التثليث ولتنافرالمذهبان بلغت العداوة بينهما مبلغاً شديداً على مر التاريخ وتحول الخلاف إلى حروب طاحنة بين المذهبين قتل فيها ألاف المسيحين وحينما تملك الكاثوليك مقاليد الحكم في البلاد اضطهدوا البروتستانت أشد اضطهاد وخلال القرنين السادس والسابع عشر كانت هناك مجهودان كبيرة من قبل بعض الملوك المخلصين لإنهاء حالة الصدام تلك ومن هؤلاء ” هنري الرابع ” الذي أباح للبروتستانت حرية ممارسة الشعائر الدينية ولكن ما لبثت الحروب أن عادت من جديد نتيجة لتسلط رجال الدين وتملكهم لمقدرات الحكم في البلاد والذي لم يجد المجتمع الغربي في القرن السادس عشر وسيلة للتخلص من هذا الصدام سوى تطبيق المنهج ” اللادينى ” أو فصل الدين عن الدولة للتخلص من تسلط رجال الدين على الحكم في المجتمع المسيحي الغربي .

المسيحية تقوم على نظام الرهبنة والباباوية والبابا يعين ويمنح ” السلطة الدينية ” – ضعوا خطاً بارزاً تحت كلمتي السلطة الدينية – ويتم تتويجه رسميا وله نواب في جميع دول الغرب وأوروبا وله دولة مستقلة تسمى الفاتيكان في أطراف روما الشمالية التي تكونت سنة 1929بعد معاهدة اللاتران بين موسيلينى والبابا والتي تم على إثرها الاعتراف باستقلال الفاتيكان بمساحتها البالغة 44 هكتار وعدد سكانها البالغ عددهم 1000نسمة تقريبا .

أعود إلى تعريف بدائي أولى ساذج أظن أن المثقفين المحترمين الناعقين المهللين بالفكر الغربي يعرفونه, يا سادة ما هو تعريف الفصل ؟ الفصل في اللغة هو وضع فاصل بين شيئين لذا يتوجب وجود شيئين متصلين حتى يكون هناك فصل فإذا كان هناك شئ واحد يكون من السذاجة الحديث عن إمكانية الفصل بين الشئ وذاته , لذا بعد الاضطهاد والصدام الذي حدث في الغرب كان الغرب مرحباً متقبلاً بفكرة الفصل لحقيقة وجود شيئين وهما 1- السلطة الدينية ممثلة في البابا 2- السلطة الدنيوية السياسية ممثلة في الملك أو الحكومة في النظام السياسي المعاصر , وبما أن السلطة الدينية كان لها الغلبة والأمر والنهى وأذاقت المسيحين سوء العذاب بقراراتها دائماً فقد فصلوا بين السلطتين فصلاً تاماً , وحتى المثقفين المهللين يسوقون كلمة دين بمدلولها الغربي دون وضع اى اعتبار لمدلولها الإسلامي , عندما نقول ” دين ” بالعربية نقابلها دائماً بكلمة “religion ” بالإنجليزية وهى مقابلة لغوية فاشلة بامتياز وقد وقعت يدي على البعض اليسير من بحث للأستاذ علاء الفاسى يبين فيه الفرق بين مدلول ” دين ” ومدلول ” religion ” وكلمة ” religion ” بترجمتها اللفظية تعنى الحكم الكهنوتي الثيوقراطى الذي فيه الراهب وفية الاعتراف وسيطرة البشر على البشر باسم الرب والدين وتحكم الرهبان في مغفرة ذنوب العباد , وهذا بلا شك ليس معنى كلمة ” دين ” في عرفنا وهذا الفهم الغربي لمدلول الدين سيطر تماماً على عقول المثقفين العرب وقد كان الإسلام ثورة على هذا الفكر ولم يفهم كثير من الناس هذا الأمر وطبيعي أن يكون للعامة ميل شديد للتخلص من سلطة الدين إذا كان هذا هو مفهوم الدين عندهم .

أما إسلامنا الحنيف فليس فيه سلطة دينية تتحدث باسم الدين وتسيطر على الشعوب وإنما هناك علماء يخدمون الدين بالبحث والعلم والتدقيق ولا يملكون من أمر الدين شيئاً فلا رهبانية في الإسلام ولا بابوية فيه وليس هناك عندنا ما يسمى برجل الدين فكل رجل في الإسلام هو رجل دين ودولة والإنسان يتكون من روح وجسد يمتزجان معاً وفقاً لقوانين ربانية تحكم في إطار مرن حياة الناس السياسية والاقتصادية والفكرية وإن كان الغرب قد ارتضى أن يكون هناك فصلاً بين الروح والمادة لظروف واقعهم وخصائص عقيدتهم التي طالها التحريف فهم أحرار في ذلك أما نحن فليس لدينا أيها المثقفون المحترمون المهللون سلطات دينية حتى يتم الفصل بين الدين والدولة إنما الإسلام جسد متجانس يحترم الروح المشبعة بتعاليم الدين ويعطى للإنسان حق التمتع بشهوانية المادة في إطار حنيف رائع يحترم الإنسان وإنسانيته , فليهلل من أراد لمبادئ الشيوعية الاشتراكية المادية اللاوجودية الشرقية أو الليبرالية العلمانية الغربية لكننا لن نكون إلا بالإسلام نأخذ من تلك النظم ما يوافق مبادئنا ونرفض ما لا يتماشى مع خصائص دولتنا , يا سادة للإسلام خصائص ولدولته مميزات يجب أن تراعى ولنطبق شرع الله تعالى قبل استيراد الأفكار والمنهجيات تلك كما هي دون تمحيص أو حتى جعلها ملائمة لواقعنا وخصائص ديننا .

أعتذر عن الإطالة فيما كتبت لعلى بذلك ألقيت الضوء على واقع فكرة الفصل بين الدين والدنيا وخصائصها وأبعادها التاريخية وقد رجعت لبعض ما كتب شيخنا محمد الغزالي علية رحمة الله والبعض اليسير مما وجدته من بحث الأستاذ علاء الفاسى وأيضا ما كتب المرحوم مصطفى محمود في كتابه ” لماذا رفضت الماركسية ”

دمتم بود .

Advertisements